زكي مبارك

14

عبقرية الشريف الرضي

كم يسبك الذهب المصفى مرة * قد لاح جوهره وبان الرونق يحلو لهم عرضي فيسترطونه * ويصلّ عرضهم الذليل فيبصق ( 1 ) نفضوا عيوبهم عليّ وإنما * وجدوا مصحافي الأديم فمزقوا ( 2 ) من لي بمن إن بان عيب خليله * غطاه من شانيه أو من يصدق وإذا الحليم رمى بسر صديقه * عمدا فأولى بالوداد الأحمق جار الزمان فلا جواد يرتجى * للنائبات ولا صديق يشفق وطغى عليّ فكل رحب ضيق * إن جلت فيه وكل حبل يخنق ( 3 ) والشريف الذي يجيد حوك العتاب كان في بعض أحواله يكره العتاب ، أعني أنه كان ينكر على إخوانه أن يعاتبوه ، وهذا وجه آخر من صور النفس ، كأن الشريف كان يرى نفسه فوق العتاب ، أو كأنه كان يرى أن مثله لا يحتاج في رعاية الود إلى عتاب ، ولكن الحالة التي سنشير إليها يختلط فيها العتب بالوعيد ، وهي تشرح أصول العداوات التي عاناها الشريف ، والظاهر أنه كان كأكثر الناس يبغض من حيث كان يحب ، فأكثر أعدائه هم في الأصل أصدقاء قدماء ، ولا يبتلى الرجل بمحنة أشق من معاداة انسان كان يراه قبلا بعين الصديق . وشواهد هذه الحالة النفسية كثيرة في شعر الشريف ، ولكنا نكتفي بالقطعة الآتية : نهنه عتابك إلا أن هفا جرم * بعض العتاب على الاخلاص متهم

--> ( 1 ) يسترطونه : يبتلعونه ، وسرطه كذلك ، ويصل : ينثن ، يقال صل وأصل ، والمعنى أن لحمي طاب فأكلوه ، وانتنت لحومهم فبصقها الناس . ( 2 ) الأديم الجلد ، ولا يمزق إلا الجلد الصحيح . ( 3 ) في الديوان « قلت فيه » والأصوب ما أثبتناه .